المرأة وتحدي الغثائية

بقلم: الحسن السلاسي
../imagesDB/5435_large.jpg

تواجه الأمةَ الإسلاميةَ مجموعةٌ من التحديات والرهانات والإكراهات، وتعاني من الويلات والإخفاقات المتتالية نتيجة لظروف داخلية وخارجية، بعضها منسوب للضعف والوهن والجهل والأمية والهزيمة والتخلف، وبعضها مرجعه إلى التئام العدو وتحالف أقطابه - رغم شتات أمرهم - عليها في سعي منه نحو إخضاعها والاستحواذ على ثرواتها، والوقوف في وجه رقيها وتقدمها، والحيلولة دون استعادة مكانتها التي تبوأتها يوم كان دين الله تعالى هو شرعها ودستورها ومنهاجها المتحكم في شؤونها العامة والخاصة. وأهم ما يعترض الأمة ويحول دون أدائها لرسالتها ما أصابها من داء، وما تملكها من مرض هو الغثائية المقيتة، فما هو دور المرأة في مواجهة هذا التحدي الشاق؟ وكيف تستطيع النهوض بها في عالم يعوج بالمتغيرات ويتخبط في الفتن والنزاعات؟

1 - داء الغثائية

يخضع الواقع الإسلامي كما خضع عصورا طويلة لتكالب الأعداء على المسلمين وتداعيهم عليهم وفق ما وصف ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تتداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". فقال قائل: "أومن قلة نحن يومئذ؟" قال: "بل أنتم يومئذ كثير. ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم. وليقذفن الله في قلوبكم الوهن". فقال قائل: "يا رسول الله! وما الوهن!" قال: "حب الدنيا وكراهية الموت!" [1].

يقرر هذا الحديث أن كثرتنا العددية الغثائية لا فائدة ترجى منها، يصاحبها – وللأسف - الوهن والضعف والهزيمة والتخلف بكل معانيه، وهي أسباب مترابطة في نسق واحد. تحتاج أيضا إلى العمل المتواصل المترابط المجدي لتربية النشء الصالح القوي في دينه، الفاعل في مجتمعه، المشارك في خدمته، المجاهد الناصر عن بصيرة ونور لدين الله في الأرض، القادر على حمل رسالة الإسلام من أجل المساهمة الأساسية لإحياء الأمة وانتشالها من تلك الغثائية المدمرة، وتجاوز ما تعيشه من مآزق وهزائم وأزمات خطيرة طوحت بوجودها على المستويين الروحي والمادي. وهنا تتجلى أهمية المساهمة الفعالة للمرأة والرجل على حد سواء في هذه التنشئة وهذا البناء القوي، ولله دره من إمامٍ هو المجدد عبد السلام ياسين، إذ يقول: "لا يمكن بحال أن نوهم أنفسنا أنه يمكن للدولة الإسلامية مهما كان سلطانها، وللدعوة ينير طريقها قرآنها، أن تقوما بشيء من ذلك والأبوان في راحة من كل مسؤولية، قد فرغا من كل هم. وقيل لهما كلام الغلط والكذب أن الدولة كافلة والدعوة كافية، فهما يفرخان للشارع ويحملان غيرهما كل البؤس الذي يعيشه المستضعفون في أعشاش الهوان" [2].

لعل من أهم أسباب التدني والفشل والهزيمة والصراع الدائم بين أمة هي خير أمة أخرجت للناس الاستعمار وما خلفه من تبعية على جميع المستويات، وإن ما تعيشه الأمة من تمزق وفرقة إلا من تداعيات هذا الاستعمار ومن مخلفاته ومخططاته، وهنا يتقابل نوعان من الأسئلة: الأول يطرحه المنساق مع الاستعمار الخاضع لإملاءاته وشروطه، والثاني المسلم المتمسك بدينه الذائد عنه إذ: "يطرحُ الخلْق المستعمَر المستحمَر أسئلة مستحمَرة. ويطرح المسلم المتحمس لدينه أسئلة يسكنها الغضب على غابر الاستعمار وحاضر الاستحمار." "أسئلة مستحمرة وأخرى مسكونة فحواها. من يوقظ النائم، ومن يحيي الميت، ومن يسبق إلى إمامة الأمة؟ النضال بكلمة لاييكية أو جهاد بكلمة قرآنية؟" [3].

وإذا أجلنا النظر في كتاب الله وسنة رسوله نرى الحديث عن سعادة الإنسان أو شقائه في الآخرة يدور حول هذا الإيمان الذي وقر في القلب وصدقه العمل أو كذبه. كما نرى:" أن المصير الدنيوي للقُرى والجماعات والشعوب والأمم يتقرر أيضا حسب ما في النفوس من تكذيب للرسل أو تصديق، من إسلام أو كفر، من إيمان أو نفاق" [4].

وقد تولد عن هذه الكثرة الغثائية أمران خطيران في حياة الأمة وواقعها يتمثلان في: "عقل غثائي وجسم غثائي غزاهما وأكلهما شر أكلة أمم مصنعة متعلمة تحب الحياة وتتقن فنونها، وتكره الموت وتذيقه الناس. ونحرص نحن في حضيض غثائيتنا على حياة أية حياة ثم لا نقدر، ونكره الموت البدني مرحبين بموت الكرامة وسفك دماء الإنسانية فينا" [5].

إن الكثرة الغثائية ترتبط بالاستهلاك دون الإنتاج وبالفوضى دون النظام وبالغوغائية دون الحكمة والحضور الباني، وهذا ما يجعل الأمة الإسلامية رغم طاقاتها ومواردها عالة على غيرها وهم أعداؤها، تعتمد عليهم في الإنتاج والغذاء والطاقة والموارد المختلفة والتويل المالي، وفق إملاءات وشروط مجحفة تهدد كيانها بمزيد من التشرذم والتمزق والتأزم.

2 - دور المرأة المسلمة وواجبها

من أدوارالمرأة الأساسية صناعة الكثرة النوعية المؤثرة والفاعلة في المجتمع وفق ضوابط الشرع ومقاصد الدين ومقتضيات التدافع، وعليه فلا نفهم من قوله صلى الله عليه وسلم حين جاءه رجل فقال:" إني أصيبُ امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد. أفأتزوجها؟ قال: لا! ثم أتاه الثانية فنهاه. ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الوَدود الولود، فإِني مكاثِر بكم الأمم" [6]. حرصا على الكثرة العددية الضارة المستهلكة والمهلكة، فلا تكون المكاثرة إلا بالعناصر المفيدة المنتجة الناجحة في حياة الناس، وهذا – لعمري - من أكبر التحديات التي تواجهها الأمة الإسلامية في دفاعها المستمر لتحقيق موعود الله في آخر الزمان.وهنا لابد من البحث عن المثال الحي القوي لرفع الهمم وكسب التحدي، يقول الإمام المجدد رحمه الله: "لنحنفي غثاثَة أنفسنا، ومأزق أمتنا، وخمول إِرادتنا، وفداحة ابتلائنا أحوج إلى مثال قوي، مثال حي، مثال منتصرٍ لَمَّا جاهد نفسه فطوّعها لتسير مجاهدة في سبيل الله" [7].

وباستحضارنا للتاريخ الإسلامي المجيد الحافل بالتجارب الناجحة في البذل والعطاء والمساهمة أفراده في عملية البناء نقف مع الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله عند سؤال جوهري: "كيف وبِم تعبأت الصحابيات فجاهدن في سبيل الله في ساحة القتال جنبا إلى جنب مع الأبطال؟ إن عرفنا سر تلك التعْبئة الجليلة ربما كان أهوَنَ علينا أن نجاهد جهادا لا دماء فيه تسيل" [8]. ويضيف رحمه الله:" " ضِمْن السؤال عن سر التعبئة الصحابية أسئلةُ واجبِ المومنات في بناء أداة حكم ونظامِ حكمٍ مستقرٍّ على القواعد الإسلامية. أي يكون الحكم فيه للشعب لا للسيف. يكون فيه الاختيار بشورى بين المومنين، الرجل والمرأة فيها سواء، لا بأشكال ديموقراطية أَفْرَغَتْ الإسلام من الساحة " [9].

لكن المؤمنة بالله وبرسوله الحاملة لهمِّ الأمة تطرح: "السؤال الحر ابتداءً، السامي أهدافاً وغاية، يصفني أنا أمةَ الله بأنني أنا وأُمتي حَمَلَةُ رسالة إلى الناس كافة، نتعبأ لذلك المرمى البعيد، ونُشرف على ذلك الجهاد الطويل النفَس البعيدِ الـمَدى، لا من زاوية مقهورية الأمة وتسلط الغرب وغزو الصرب، لكن من وِجهة نظر مَن هم قدَرٌ من قدر الله. من وجهة نظر إيجابية لا ردَّ فِعْلٍ. هجوما بكلمة الله لا مجرد دفاع عن هُوَيّة. جهاد إذاً لبناء مجتمع متماسك لَبِناتُه أُسَر متماسكة" [10]. ويعقب ذلك ويتبعه: "جهاد سياسي وحركة تغيير لنستنبط من ذاتنا، أي من اعتمادنا على ربنا، مستقبلين متعلمين بلا حرج من عطاء الله للعباد، منتقدين يقظين ما يخطئ فيه العباد ويصيبون، ليكون لنا نمط تنمية، ونمط إنتاج، ونمط عيش، ونمطُ نظام، صالحة لإنساننا وأرضنا، موصولة بماضينا الأجل، واصلة بمستقبلنا الموعود، نموذجية ليقتدي الناس كافة بنا يوم ينادي المنادي على حضارة المادة والظلم والكفر بالاندحار والاندثار. في ذاتنا نجد لا في غيرنا. تصنع المومنات أجيالا كثيرة العدد عالية النوعية، علينا واجب تغذيتها، ورعايتها الصحية، وتعليمها، وربطها ربطا وجوديا بالقرآن وبالنموذج النبوي، ثم تعبئتها في جهاد مستمر لتبني من بعدنا مستقبل الأمة الشاهدة على الناس بالقسط" [11].

ومن تم يؤكد الإمام رحمه الله أنه لا بد: "لنا من جهاد وتعبئة لنوقف النزيف في ذاتِ مقوماتنا المادية، ولنُوقف خاصةً النزيف الذي أصبنا به في المخ فقلدنا الآخرين تقليد القردة. إن لا تكن تعبئة إسلامية لجهاد إسلامي فالقردية والذيلية والهوان مستقبلنا" [12].

ولا يتحقق ذلك إلا بالإسلام وحده: "نساهم المساهمة الفعالة في إعلاء شأن القيم الإنسانية المروئية لنقول للعالم كلمتنا فتُسمَع: عن السلام والتعارف بين البشر والتعاون والعدل. ولنخبره عن كرامة الإنسان عند الله إن عرف الإنسان الله وأطاع الله. فتلك رسالتنا. والعزة بالله الناتجة عن جهادِ منبرنا. الإسلام سلام، الإسلام رحمة، الإسلام دعوة. ما الإسلام قهر ودماء" [13]. ويستدرك رحمه بقوله "إن الإسلام بدون شوكة تُعزّه، بدون جهاد هو الشوكة، يبقى جسما يُداس بالأرجل" [14].

ويقدم أمثلة للصحابيات اللواتي أدركن أن الإسلام عقيدة وجهاد وعمل نوعي لإسناد الدين بكل الوسائل المتاحة خدمة ومشاركة واقتحاما إذ: "كانت الكريمة منهن، وكلهن كريمات، تنقز القرب. وكانت الفقيرة المتواضعة تجاهد بمالها ونفسها، تغزِل وتنفق. روى أبو داود أن صحابيَات خرجن في غزوة خيبر فسألهن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصدهن فقلن: "خرجنا نغزل الشعر فنعين به في سبيل الله، ونداوي الجرحى، ونناوِل السهام، ونسقي السويق" [15].

ويقارن رحمه الله بين شجاعة المرأة المجاهدة وهمتها وبين جبن الرجل في مواطن الجهاد فيقدم لنا: "بطلة أخرى هي صفية بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج ابن اسحاق أنها لجأتْ يوم أُحُد إلى حصن حسان بن ثابت شاعر المسلمين مع النساء والصبيان وحسان. فمر يهودي يُطيفُ بالحصن. فطلبت المرأة الصالحة البطلة إلى الرجل الشاعر حسان أن ينزل إلى اليهودي. قال حسان: "يغفِرُ الله لكِ يا بنت عبد المطلب! والله لقد عرَفْتِ ما أنا بصاحب هذا! قالت صفية: فلما قال لي ذلك ولم أجد عنده شيئا احتجزْتُ (شددت وسطي) ثم أخذت عمودا، ثم نزلت فضربته بالعمود حتى قتلته. فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان! انزِلْ فاستلِبْه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. فقال حسان: ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب!" [16]. ويعلق على هذه الواقعة بقوله: "جبُنَ رجل وأقدمت امرأة. وكانت أولَ مومنة قتلت عدوا في الإسلام" [17].ومن ذلك أيضا ما أخرجه الطبراني: "أن أسماء بنتَ يزيد بنِ السَّكـن بنت عَمِّ معاذ بن جبل رضي الله عنهما قتلت يوم اليرمـوك -الحرب الفاصلة بين الروم والمسلمين في عهد عمر- تسعة من الروم بعمود فُسطاط. بعمود خيمة وفّت أسماء ما عاهدت اللهَ عليه ورسولَه حين بايعته مع نُسيبة بيعة العقبة، تلك البيعةَ المؤسِّسةَ الحاسمة" [18].

وليس من العبث أن يخص الإمام رحمه الله المرأة بهذه العناية وهذا الجهد من الرعاية، لأنها محضن التربية ومنطلق التغيير. فمدار الأمر كله على التربية الحكيمة بكل مستوياتها: العلومية والراقية والمستقبلية، إنها التربية القرآنية المؤسسة للأجيال الفاعلة في الواقع والتاريخ. ومن هنا يبرز دور المرأة المؤمنة في تغيير الإنسان وتوجيه مسار حياته نحو الفلاح كما تطالعنا به جهود والدة ابن عباس رضي الله عنه في إيمان ابنها وما صحب ذلك من تأثير إيجابي في عقيدته وحياته كلها، وهو من هو في السابقين الأولين من المجاهدين والعلماء فقد: "أسلم عبد الله بن عباس وهو غلام صغير مع أمه قبل إسلام العباس. أم مومنة أنقذت ابنها من الكُفر في أشد الظروف تعَسُّرا. قال ابن عباس: "كنت أنا وأمي من المستضعفين: أنا من الوِلدان. وأمي من النساء". رواه البخاري. طفل تبع أمه إلى الهدى، لم يقعد مع أبيه على دين قومه. درس تربوي لصانعات المستقبل" [19].

كما أن دور المرأة المساندة للدعوة جليل، ومن ذلك تقديم المشورة ورفع الهمة في وقت الشدة ومن أجلّ الأمثلة تدخل أم سلمة من أجل تثبيت زوجها القائد وهي ترى إحجام أصحابه عن الإذعان لأمر الله: "وكانت أم سلمة يومئذ مات زوجها المهاجر رضي الله عنه وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرجها معه كما كان يفعل بإحدى نسائه في غزواته، تُعيِّنها القُرعة. شاركت أم سلمة في الصمودِ للعدو، ومخالفةِ القوم في الدين، ومفارقة الأهل والديار، والصبر على البلاء في النفس والزوج والولد. ونقرأ مشاركتها يوم الحديبية بالرأي السديد لنتلقى درسا في غَناء المرأة المومنة وكفاءتها في المواقف السياسية الحرجة" [20].

والخلاصة الجامعة أن: "لب الدروس التطبيقية التربوية وخلاصتها وزبدتها هو انتقال أمَةِ الله الصحابية وعبد الله الصحابي من ضلال السعي في الدنيا للدنيا، ومن إرادة الدنيا للدنيا، ومن الاستهلاك في الدنيا مع بنات الدنيا وأبناء الدنيا، إلى السير المهتدي، إلى إرادة الآخرة، إلى إرادة وجه الله عز وجل، حبّاً له، وخشية منه، وتهمّما بلقائه، واستعداداً للعرض عليه بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح" [21]. .

تاريخ النشر : الجمعة 4 دجنبر/كانون الأول 2015